فخر الدين الرازي
68
شرح عيون الحكمة
--> ثم يقول الرازي : « والقول الثاني : المراد جملة الأرض . وذلك لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان ، وقد ملكا الأرض . وهذا يدل على أن « الأرض » هاهنا اسم الجنس » أ . ه . وقبل سبى بابل بكثير فسد بنو إسرائيل في الأرض التي ورثوها ، وانه لمن المحتمل أن يكون قد حكم البلاد مسلمون من غير بني إسرائيل على وفق شرائع موسى عليه السلام إلى مجىء ملك « بابل » المسمى « نبوخذ ناصر » الذي خضعت لحكمه بلاد كثيرة . ومن بعده الفرس واليونان والرومان والعرب المسلمون . ولما تخلى بنو إسرائيل عن هداية الناس ، ظهرت في « مصر » وفي غيرها عبادة الآلهة الباطلة ، والمساجد التي بناها بنو إسرائيل في مصر لعبادة اللّه ، تحول بعضها إلى أماكن للنصارى وكان بنو إسرائيل من أيام موسى عليه السلام يجاهدون في سبيل اللّه ، ويحاربون الأمم لادخالهم في دين موسى كما جاء في سورة البقرة في قصة الملأ من بني إسرائيل ، وفي قوله : « ان اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه . فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن » وكانوا يبنون المساجد في « مصر » لعبادة اللّه عز وجل . وذلك ثابت من قوله تعالى : « وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً ، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » يقول الامام الرازي : « اعلم : أنه لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر منهم من التوكل على اللّه تعالى اتبعه بأن أمر موسى وهارون باتخاذ المساجد والاقبال على الصلوات : يقال : تبوأ المكان ، أي اتخذه مبدأ كقوله توطنه إذا أتخذه موطنا . والمعنى : اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون اليه للعبادة والصلاة . ثم قال « واجعلوا بيوتكم قبلة » وفيه أبحاث : البحث الأول : من الناس من قال : المراد من البيوت : المساجد كما في قوله تعالى : « في بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه » . . . الخ » وهذا يدل على أن دين موسى عليه السلام كان دينا عاما لجميع أمم الأرض إلى أن يأتي محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد شوش اليهود على أن دين موسى كان عاما ، من بعد ما جعلوا دين موسى لبنى إسرائيل من دون الناس ، وحرفوا التاريخ فيه . وقد تفطن بعض المسلمين إلى هذه الأمر واثبتوا أن دين موسى كان عاما . ومنهم « النسفي » في تفسيره في أول سورة آل عمران ، ومنهم « القرطبي » في آخر سورة الشورى ،